محمد متولي الشعراوي
9344
تفسير الشعراوي
الطعام والشراب والهواء مُقوِّمات الحياة التي ضمنها الله عَزَّ وَجَلَّ لنا ، والأمر بالأكل هنا للإباحة ، وليست فَرْضاً عليك أنْ تأكل إلا إذا أردتَ الإضراب عن الطعام إضراباً يضرُّ بحياتك فعندها تُجبر عليه . وقوله : { مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } [ طه : 81 ] خصَّ الطيبات ؛ لأن الرزق : منه الطيب ، ومنه غير الطيّب ، فالرزق : كُلّ ما انتفعتَ به ولو كان حراماً . بمعنى أن ما نِلْتَه من الحرام هو أيضاً من رزقك إلا أنك تعجَّلته بالحرام ، ولو صبرْتَ عليه وعففْتَ نفسك عنه لَنِلْتَ أضعافه من الحلال . ثم يقول تعالى : { وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ } [ طه : 81 ] وفي آية البقرة { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ النحل : 118 ] فكأن ظلمَ النفس عِلَّته أنهم طَغَوْا في الأكل من الرزق . والطغيان : من طغى الشيء إذا زاد عن حَدِّه المألوف الذي ينتفع به ، ومنه طغيان الماء إذا زاد عن الحدِّ الذي يزيل الشَّرق والعطش إلى حَدِّ أنه يُغرق ، كما قال تعالى : { إِنَّا لَمَّا طَغَا الماء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية } [ الحاقة : 11 ] أي : تجاوز الحد الذي ينتفع به إلى العَطَب والهلاك . وهكذا في أي حَدٍّ ، لكن كيف تتأتى مجاوزة الحد في الطعام والأقوات ؟ الحق تبارك وتعالى لما خلق الأرض قدَّر فيها أقواتها إلى يوم القيامة ، فقال تعالى : { وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا } [ فصلت : 10 ] . فاطمئنوا إلى هذه المسألة ، وإذا رأيتم الأرض لا تعطي فلا تتهموها ، إنما اتهموا أنفسكم بالتقصير والتكاسل عن عمارة